الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
39
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ثواب جزيل ، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللّه يتلون كتاب اللّه ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم اللّه فيمن عنده » . وعلى بثه مثل ذلك ، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، وعلم بثه في صدور الرجال ، وولد صالح يدعو له بخير » . فهذا التفاوت بين العالم والجاهل في صورة التي ذكرناها مشمول لنفي الاستواء الذي في قوله تعالى : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ وتتشعب من هذه المقامات فروع جمّة وهي على كثرتها تنضوي تحت معنى هذه الآية . وقوله : إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ واقع موقع التعليل لنفي الاستواء بين العالم وغيره المقصود منه تفضيل العالم والعلم ، فإن كلمة ( إنما ) مركبة من حرفين ( إنّ ) و ( ما ) الكافّة أو النافية فكانت ( إن ) فيه مفيدة لتعليل ما قبلها مغنية غناء فاء التعليل إذ لا فرق بين ( إنّ ) المفردة و ( إنّ ) المركبة مع ( ما ) ، بل أفادها التركيب زيادة تأكيد وهو نفي الحكم الذي أثبتته ( إنّ ) عن غير من أثبتته له . وقد أخذ في تعليل ذلك جانب إثبات التذكر للعالمين ، ونفيه من غير العالمين ، بطريق الحصر لأن جانب التذكر هو جانب العمل الديني وهو المقصد الأهم في الإسلام لأن به تزكية النفس والسعادة الأبدية قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من يرد اللّه به خيرا يفقهه في الدين » . والألباب : العقول ، وأولو الألباب : هم أهل العقول الصحيحة ، وهم أهل العلم . فلما كان أهل العلم هم أهل التذكر دون غيرهم أفاد عدم استواء الذين يعلمون والذين لا يعلمون . فليس قوله : إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ كلاما مستقلا . [ 10 ] [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 10 ] قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 10 ) لما أجري الثناء على المؤمنين بإقبالهم على عبادة اللّه في أشدّ الآناء وبشدة مراقبتهم إياه بالخوف والرجاء وبتمييزهم بصفة العلم والعقل والتذكر ، بخلاف حال المشركين في ذلك كله ، أتبع ذلك بأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالإقبال على خطابهم للاستزادة من ثباتهم ورباطة جأشهم ، والتقدير : قل للمؤمنين ، بقرينة قوله : يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا إلخ . وابتداء الكلام بالأمر بالقول للوجه الذي تقدم في نظيره آنفا ، وابتداء المقول بالنداء وبوصف العبودية المضاف إلى ضمير اللّه تعالى ، كل ذلك يؤذن بالاهتمام بما سيقال وبأنه